أخبار الجمعيات
طباعة
"الفيديو نموذجا ميديولوجيّا

دعم من وزارة الشؤون الثقافية وفي إطار البرنامجين الوطنيين “تونس مدن الفنون” و”تونس مدن الآداب والكتاب”، تنظم الجمعيّة المتوسّطيّة للفنون المعاصرة أيام 7 و8 و9 ديسمبر 2018 بالمنستير ندوة علمية حول “الفيديو نموذجا ميديولوجيّا” بمشاركة نخبة من الأكادميين والباحثين والمختصين.

جاء في الورقة العلمية للندوة والتي أعدّتها الدكتورة فاتن شوبة أنّ “الفيديوغرافيا صارت في زمن الرّقمي وبفضل انبثاق التّقنيات الحديثة إلى تخوم تألّقها. إنّها ملكة المحتويات على صفحات الواب وشبكات التّواصل الاجتماعي. يدعم نموّ أداء الآليّات الرّقميّة الجوالة المتصلةّ بالشّبكات بطريقة مباشرة هذا التّوجه، فصارت الفيديو المتوفّرة قابلة للمشاهدة في أي مكان وأي زمان. لقد أصبحت وسيلة بث جذريّة  للمحتويات وتمهيد ملموس في تغيير النّموذج الّذي نجده الآن.”

معتبرة أنّها أداة التوزيع والبث الواسع والمحتويات المتناثرة، الّتي تدلّ آثارها الفيروسيّة على الاهتمام المتزايد بها من طرف مستخدمي الانترنت.

وفي المستوى التّقني ترى شوبة “أنّ “الفيديوغرافيا” تشكّل عمليّة تسجيل وبثّ وتوزيع الصّورة، وهذا ما عمل الجيل الأوّل من الفنّانين الفيديوغرافيّين على إبرازه بجلاء، ومنذ ظهورها كوسيط فنّي ضمن تيار الفلكسيس، في السّنوات السّتين من القرن العشرين، تمكّنت من التّخلّص من موجب تأكيد صلاحيّتها وطاقتها في تمثيل الواقع، وكوسيلة نقد في التلفيزيون، كان رهانها قائم على البرهنة على طبيعتها المخادعة وللبرهنة على كيفيّة توظيف الوسيط عبر استثمار شفراته الخاصّة به”.

و”لقد تباين فن الفيديو ومنذ البدايات، مع التلفزيون بشكل جذري، رافضا جماليّة واقعيّة صوره من أجل أن يبني طبيعته الخاصّة ولغته الخاصّة به كممارسة فنّية في التّركيز على ذاته وسيطا فنّيا”.

وانطلاقا ومن هذه الخصوصيّة، “انبنى الرّابط مع الميديولوجيا، تيار فكريّ نظّر له “رجيس دوبري” في السّنوات التّسعين، فهو اصطلاحا يهتمّ بظواهر البثّ وتنصبّ اهتماماته وأهدافه في فهم وشرح وقع التّقنيات والتكنولوجيّات ووسائل الاتصال وتأثيرها على تطوّر الثّقافة الإنسانيّة في علاقتها مع بيئتها، ويتحدّد مجال الميديولوجيا في التّفاعل الّذي يحدث بين التّقنيات وبين التّقدّم الثّقافي، أي تأثير الوسيط على السّلوكات الاجتماعية والذّهنيّة أو التّمثّلات في وضع العالم”.

وهو حسب ذات الورقة العلمية “تركيب اصطلاحي بين لفظتي وسيط من اللاّتينيّة “الموصل” و”اللّوغوس” من الإغريقيّة ويفيد الخطاب، وتهتم الميديولوجيا بالطّرائق أكثر منه بالأهداف أو المنتهيات وبالوسيط أكثر منه بمحتوى الخطاب.

“وفي زمن انتشار الفيديو، الوسيط الأمثل في البثّ، تجد مثل هذه المقاربة شرعيّتها، وبعيدا عن أيّ توجّه بسيط، يقدّم فنّ الفيديو نفسه كترجمة مثاليّة لرؤيتنا الحاليّة للعالم، ومن هذا المنظور، تطرح صورة فنّ الفيديو وبشكل مستمرّ سؤال هويّة الصّورة وتحمل رؤية نقديّة لواقعنا اليومي ولمحيطنا الوسائطي. لقد تجاوزت ومنذ ظهورها طاقتها في اقتناص معطيات الواقع من أجل استثمار عوالم خياليّة وتوظيف خصوصياتها الدّاخليّة المدمجة عبر تطعيمها بعديد الأشكال الفنّية التقليديّة أو المعاصرة”.

وهو “فنّ متداخل الاختصاصات ومتعدّد الأشكال، صنوّ التّهجين بين الممارسات الفنّيّة يتسرب إلى جميع المجالات الفنّيّة. إنّ الفيديو في كلّ مكان (آلة الإبصار) على حدّ تعبير “بول فريليو” تكثيف للمشهدي في مجتمع المشهد بلفظة “غي دي بور”، إنّه تمضي في اتّجاه جميع الأشياء وترتبط بها، وعير استثمار مختلف الحقول الفنّية، يقوم فنّ الفيديو بتقويّض أركانها، وتلتهمها، بل وتتملّك أشكالها وتجعل منها أغراضا لمعالجاتها. إنّه فنّ عابر غير أصيل هجين ومارق..”

ويرى المنظمون أنّ طرح فنّ الفيديو بالاتكاء على خصوصيّة التّحوّل الدّائم في تقنياته وفي وسائطه، يؤسس أنموذجا ميديولوجيّا والّذي تجب مساءلته من أجل التّفكير في مستقبل الفنّ الأكثر معاصرة من بين الفنون المعاصرة.

وبحسب “رجيس دوبري”، فإنّ عالم الصّور يُعدّ الفيديو علامة ومؤشّرا وفكرا يحمل مجازفة التّحوّل الجذري في إدراكنا للعالم ووجودنا فيه، بالقدر الّذي تقوم فيه هذه الأشكال المستحدثة بجرّنا إلى العود التّدريجي نحو الواقعيّة في التمثيل. الفيديو الحيّ المباشر، الفيديو المراقب، الفيديو الغامر، عديد من المحاولات لإخراج الفيديو من إطار البث، وتوظيف عديد السينوغرافيات الفنّيّة، الّتي تؤشّر على التّفاؤل بثورة لا تتورّع عن تملّك جميع الأشكال الفنّية الموجودة والثقافات ووسائل التّواصل.

ولكن “الواقع ذاته والّذي يريد الفيديو أن يستنسخه أو ينتجه واقع تخييلي ووهمي، مخادع، يرتكز على مشروطيّة طريقة إدراكنا. نحن بحاجة إلى مساءلة الوسيط ليس من أجل خفض حجم فن الفيديو أو في محاولة نوستالجيّة لاسترجاع الماضي القريب، ولكن قصد فهم كيف لوسيط مسيطر، شارط مخفيّ، لرؤية العالم أن يكون عنصرا في تحويل المؤسّسة الاجتماعية…”